الياس الرحباني..مَن الشعراء الذين هددوا بضربه إن استمر "غربياً"؟

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الياس الرحباني..مَن الشعراء الذين هددوا بضربه إن استمر "غربياً"؟, اليوم الجمعة 8 يناير 2021 11:42 مساءً

متى بدأ الياس الرحباني مشواره الفني؟ في 16 آذار/مارس 1959، تحدّثت مجلة "الشبكة" عن "مولد رحباني جديد"، وقالت في تقديمها له: "الياس شاعر وملحّن. ان شعره بدائي، كذلك ألحانه، ولكنها تدلّ جميعا على موهبة أصلية خرجت من بيت الرحابنة". قال "الرحباني الجديد" انه يدرس منذ ست سنوات عزف البيانو على يد الأستاذ الفرنسي ميشار بورجو، كما انه يدرس الهارموني على يد الأستاذ برتران روبيار، معلم شقيقيه الكبيرين عاصي ومنصور، وقال انه يميل إلى "المودرن" و"التكنيك الحديث".واصل الشاب الكلام، وقال انه وضع اغنية راقصة مطلعها: "ما عاد باقي غير نحنا تنين/ فراشات عم ترحل عصيف جديد/ وطيور خلف تلال مدري لوين/ هبات ريح بتاخدن لبعيد". ورأى ان هذه الأغنية من "لون بوليرو على رحباني"، وأوضح بثقة: "رحباني انا". سأله المحاور: "هل تريد ان تندمج مع أخويك؟" فردّ: "الأصح، هل اقبل ان يندمجا هما معي؟". فاستطرد المحاور: "هل يساعدانك فنيا؟"، فأجاب الياس: "آخ. خلّيها على الله". كرّر المحاور السؤال، فقال الأخ الأصغر: "عاملين عليّي استعمار. خايفين على مركزهم". في ختام هذا الحوار، سأل المحرّر ضيفه: "هل تعتقد انك ستكون مشهوراً؟"، فأجاب: "أعطني صوت فيروز"، وأكّد انه "سيقبّ" قريبا.

دخل الياس الرحباني الفن في مطلع العشرين من عمره، وشقّ طريقه منفرداً بعيداً عن شقيقيه الكبيرين، ولا نعرف الكثير عن بداياته، والشائع انه دخل الإذاعة في مطلع الستينات، وانطلق هناك في عالم التأليف والتلحين. في 27 كانون الثاني/يناير، عادت "الشبكة" ونشرت تحت عنوان "الأخ" خبراً قصيراً يقول: "هذا هو الياس الرحباني الأخ الثالث للأخوين عاصي ومنصور. لقد شقّ طريقه في الموسيقى معتمداً على لون خاص هو الغربي العربي الراقص، الذي يغنّي تارة بالفرنسية وتارة بالانكليزية، وأحيانا بالعربية. وآخر مبتكرات الأخ رحباني دبكة تُعزف بإيقاع لبناني ولكن باللغة الفرنسية". ولا نعرف ما هي هذه الدبكة، غير ان الأكيد ان الأغنية التي صنعت شهرة الياس هي دبكة من هذا الطراز غنّتها صباح في العام التالي، فكانت أغنية الموسم، ومعها بلغ الياس الشهرة للمرّة الأولى. قبل أن تغنّي صباح هذه الأغنية، أحيت في أيلول/سبتمبر 1964 مهرجانات بيت الدين السياحية، وغنّت "شفتو بالقناطر" من ألحان الياس الرحباني الذي قاد الأوركسترا في هذا المهرجان. تكرّر اللقاء بعد فترة وجيزة، وغنّت صباح "هالي دبكة ياباهو" في فيلم "الصبا والجمال"، وانتشرت الأغنية بسرعة الصاروخ.

في 11 كانون الثاني/يناير 1965، تحت عنوان "أغنية تطلق فناناً"، كتبت "الشبكة": "لم يكن الياس الرحباني مغموراً، ولكنه لم يكن ملحنا مشهوراً. وفجأة انطلق، واشتهر، وأصبح اسمه على كل لسان. أطلقته اغنية صباح "هالي دبكي" التي لحّنها وكتب كلماتها أيضا. وخلال أسبوع أُجريت معه مقابلتان اذاعيتان دفعتهما الهالي دبكي، انحصرت معظم الأسئلة فيهما حول الهالي دبكي، وكانت الهالي دبكي هي كل الشغل الشاغل. لكل فنان فرحة، ولكل فنان خبطة، وكانت خبطة الرحباني الصغير الهالي دبكي. بكل تأكيد، لو لم تغنّها صباح لما انطلقت، ولما اشتهر الياس رحباني". بسرعة البرق، قدّم الياس مع صباح أغنية ثانية من الطراز نفسه حملت العنوان نفسه، ورأت الشبكة في شباط/فبراير ان صباح في هذا التسجيل عمدت إلى "إبقاء اللكنة اللبنانية في الغناء، كما أنشدت الأوف الجبلية المتموجة، مع سحبة يابا بلدية". وأضافت: "كل من سمع الأغنية الجديدة قال انها أحسن من الأغنية الأولى". بعد فترة وجيزة، عادت المجلة وقالت ان فيلمون وهبي معتكف في كفرشيما بسبب نجاح هذه الأغنية، وان اعتكافه "لن ينتهي الا بعد ان يلحّن لصباح أغنية تضرب أغنية هالي دبكة على عينيها الاثنتين".

تبنّت صباح، الرحباني الصغير، وأطلقت اسمه في عالم الشهرة، وغنّت من ألحانه في صيف ذلك العام أغنية "ميّلو علينا" في مسرحية "دواليب الهوا" في بعلبك، وشكلت هذه الأغنية بداية للتعاون بين الأخوين رحباني وشقيقهما الصغير، غير ان هذا التعاون ظلّ محدوداً للغاية في السنوات التالية. في منتصف تشرين الثاني/نوفمبر، تحدثت صباح عن الملحنين الذي رافقوا مسيرتها في مقالة نُشرت في "الشبكة"، وقالت: "الأخوان رحباني فنّانان مشرفان للكلمة اللبنانية وللأغنية وللموسيقى المميزة. ومع احترامي للأخوين الأستاذين، أقول لهما شقيق ثالث لا يقلّ عنهما موهبة، هو الياس الرحباني". قبلها، نقلت مجلة "تي في" عن عاصي الرحباني في شباط/فبراير قوله: "بيننا وبين الياس فوارق سن كبيرة. فهو يحمل أفكاراً خاصة يريد أن يعبّر عنها وهو يعتقد انه بمفرده يستطيع ذلك بكل حرية، فالاندماج الكلي معنا قد يفقده شخصيته".

قطّاع طرق
في تلك الحقبة أيضاً، أجرت مجلة "تي في" (التلفزيون) حديثاً قصيراً مع "الأخ الثالث والأصغر للأخوين رحباني، والمنشقّ فنياً عن مدرستهما"، ووصفته بـ"الحائر بين الشرق والغرب". قال الياس انه مؤلّف وملحّن درس الموسيقى على يد أساتذة فرنسيين، وانه يلحّن أغاني شرقية وغربية وفرانكو آراب، وأن أول لحن وضعه كان عام 1957 باسم "ما احلاها"، وقد استعاد مؤخراً هذا اللحن ووضع له كلمات فرنسية باسم "بحلفلك"، وسجّله بصوت مغنٍّ يُدعى مانوييل. وذكر من الألحان التي يعتز بها "شفتو بالقناطر" لصباح، و"بضيعتنا الحلوة" لهدى. وتحدّث في الختام عن ثلاثة رجال متنكّرين قطعوا عليه الطريق وهدّدوه بالضرب إن استمر في وضع الألحان الغربية، وعرف بعد بضعة أيام انهم كانوا "ثلاثة من الشعراء ساءهم نجاح أغنية هالي دبكة، وهي بالفرنسية، فأقدموا على هذا العمل الإرهابي".

في العام 1967، تجدّد اللقاء مع صباح، وأثمر عن أغنيتين: "تاموريه" و"حاجي تشدلّي عإيدي" التي منعتها الإذاعة لفترة وجيزة. في أيلول/سبتمبر، تحدّثت مجلة "الأسبوع العربي" في مقالة طويلة عن تجربة جديدة يقودها الياس الرحباني في حقل الأغنية الغربية مع مغنٍّ ارمني لبناني يُدعى مانوييل، وتوقّفت أمام أغنية بعنوان "الحرب انتهت". وفي تشرين الأول/أكتوبر، أجرت المجلة تحقيقا آخر أجراه جورج ضو، وفيه قال الياس انه وضع مؤخراً أغنية لصباح بعنوان "حلوة وممشوقة"، وأغنية لسميرة توفيق بعنوان "عيونك"، وأغنيتين لهدى: "عالسكّيت" و"كنت صغيرة وكان"، كما انّه وضع بالفرنسية أربع أغنيات لمانوييل، وأغنيتين لنويل فريمون، وأغنية لمايا كازابلانكا بعنوان "سأسامحك"، وأغنية لفريدا بوكارا كتبت كلماتها سوزي يزبك. وأضاف في الختام: "لا أؤلف لحنا غربيا وأهمل لحنا عربيا، اتعاطى اللحنين معا، لست مغروراً ولا متكبراً، لكن نشاطي كثير والحمد لله ولديّ مشاريع كثيرة".

في العام 1968، لحّن الياس رحباني لفيروز "ليل وأوضة منسية"، كما لحّن "النجمة وعدتك ونسيت" في مسرحية "الشخص"، وبهذين اللحنين تجدد اللقاء مع أخويه الكبيرين. واصل الرحباني الصغير مسيرته المستقلة، وقدّم أعمالا حصدت نجاحا كبيرا. في نيسان/أبريل 1969، أجرى أنطوان بارودي حديثا قصيرا مع الياس الرحباني نُشر في "الشبكة"، وفيه أكّد من جديد انه اتجه منذ سنوات نحو الأغنية الأوروبية الخفيفة، وانه لحّن من هذا اللون عددا كبيرا من هذه الأغنيات فازت منها اغنية "تامي" التي أداها مانوييل في احدى المسابقات التي جرت في لبنان منذ سنوات، كما انه أطلق مغنيا آخر من هذا النوع باسم طوني فاليير، كما أكّد من جديد أنه لم يتخلّ عن تلحين الأغنيات اللبنانية الى جانب الأغنيات الأوروبية. في تموز/يوليو، فازت أغنية "انتهت الحرب" بالجائزة الثانية في أولمبياد أثينا الدولي للأغنية الخفيفة، واحتفلت الصحافة اللبنانية بهذا النصر العالمي الذي حققه الياس الرحباني لنفسه وللبنان. في موازاة هذا الفوز، شارك الملحّن الشاب بشكل متواضع في مسرحية شقيقيه "جبال الصوان"، ووزّع "ليل ليل ليل" و"ساعدني".

واصل الملحّن عمله في الإذاعة اللبنانية، كما واصل عمله في وضع الإعلانات التلفزيونية، لأنه يعيش من هذا المورد، كما صرّح مرارا. ولمع في الموسيقى التصويرية التي وضعها لفيلم "كلنا فدائيون"، وطلبت منه منظمة التحرير الفلسطينية ان يضع الموسيقى التصويرية لفيلم وثائقي أنتجته لحسابها. قبل "كلنا فدائيون"، وضع الياس الرحباني موسيقى وألحان أفلام عديدة، منها فيلم "الشريدان" وفيلم "شباب تحت الشمس" في 1965، ثم "موال" في 1966، و"فندق الأحلام" في 1968.

العصر الذهبي
واصل الياس الرحباني مسيرته بثبات في 1970، وكتبت الشبكة في نيسان/ابريل: "الفنان الذي أصبح اسمه يُذكر اليوم مجرّداً من رابطة الأخوة التي تشدّه الى الأخوين رحباني بصفته شقيقهما الأصغر، الياس الرحباني الذي لم يعد فنياً شقيق الأخوين رحباني بعد فوزه بأكثر من جائزة على الطريق العالمي، سيشترك في أولمبياد الأغنية في أثينا، والمغني الذي قد ينشد هذه الأغنية اسمه سامي حبيقة، وهو طالب حقوق اكتشفه الياس ويبحث له اليوم عن اسم فني. اما مانوييل الذي انشد اغنية العام الماضي، فهو موجود الآن في الولايات المتحدة". والمعروف ان سامي حبيقة هو من سيُعرَف باسم سامي كلارك، وهو من سيحصد النجاح مع الياس الرحباني في السنوات التالية.

تقاطعت مسيرة الياس مع مسيرة شقيقيه مرة أخرى في 1972 حيث لحّن "قولي قولي يا نسّوم" و"زعلت حليمة" ووزّع "شو بيبقى من الرواية" في مسرحية "ناس من ورق"، ثم لحّن "لا تجي اليوم" ووزّع "يا حرية" في مسرحية "ناطورة المفاتيح". بعدها قدّم منفردا مسرحية "أيام الصيف"، وفيها قدّم ألحانا لاقت رواجا كبيرا، أشهرها "بيني وبينك يا هالليل" و"عضو القمر" لهدى، و"نطرني عالشباك" لجورجيت الصايغ، و"تحت الشباك" لمروان محفوظ. وقيل يومها في وصفه إنه "لم يدر في فلك اخويه، بقدر ما اقام لنفسه جوّا فنياً خالصاً"، كما كتب رياض شرارة في "الشبكة". موسيقياً، أصدر الياس الرحباني في ذلك العام، أسطوانة من الحجم الكبير حملت عنوان "فسيفساء من الشرق: ناي، بزق، وغيتار"، وشكلّت هذه الأسطوانة المميّزة انطلاقة جديدة لصاحبها في عالم اللحن والنغم.

في العام 1973، ألّف الياس الرحباني موسيقى فيلم "دمي ودموعي وابتسامتي"، وفي العام التالي ألّف موسيقى فيلم "حبيبتي" وفيلم "أجمل أيام حياتي"، ولا تزال ألحان هذه الأفلام الثلاثة حيّة في الذاكرة الجماعية العربية. تلفزيونياً، ألّف الياس الرحباني موسيقى مسلسل "لا تقولي وداعاً" ومسلسل "ألو حياتي"، وحصدت هذه الألحان نجاحاً مماثلاً. تجدّد هذا النجاح مع فيلم "هذا أحبه وهذا أريده" في 1975، ومسلسلَي "ديالا" في 1977 و"عازف الليل" في 1978. واصل الياس الرحباني تأليف وتلحين الأغاني الأجنبية، وقدّم مجموعة كبيرة من الأغاني أشهرها أغنية بعنوان "موري موري" أدّاها سامي كلارك، وهي الأغنية التي حصدت الجائزة الأولى في مهرجان الأغنية العالمية في ألمانيا. إلى جانب هذه النجاحات، لمع اسم الياس الرحباني في مسرحية "آخ يا بلدنا" لشوشو في 1973، وفيها قدّم لحن أغنية "شحّادين يا بلدنا" التي كتب كلماتها ميشال طعمة. تجدّد هذا النجاح مع شوشو، وتكرّس مع سلسلة من أغاني الأطفال لا تزال تتردّد إلى يومنا هذا، تماما كما تتردّد مقطوعات أسطوانة "ألحان حكايات وأغاني للأطفال" التي صدرت في 1976 بمشاركة غنائية من طفلَي إلياس: غسان وجاد الرحباني.

من جهة أخرى، توسّعت شراكة الياس رحباني بشكل كبير في أعمال الأخوين رحباني بعد مرض عاصي، ويتجلّى ذلك بشكل جليّ عند رصد ألحانه في "المحطة" و"قصيدة حب" في 1973، ثم "لولو" في 1974، و"ميس الريم" في 1975، و"بترا" في 1977.  في "المحطة"، وضع الياس ألحان مقدمة الفصل الأول، "وينيّي وينيّي"، "ليلة المحطة جمعتنا"، "رقصة زينة"، "دبكة المحطة"، "حنا السكران"، "رقصة الاطفائية"، و"رقصة البدو". وفي "قصيدة حب"، وضع ألحان "جينا الدار"، "قتلوني عيونا السود"، "عوافي يا زهية"، "منقول خلصنا"، "طير الوروار"، "رقصة حب"، "على دلعونا"، "ياي ياي ياي يا ناسيني". وفي "لولو"، وضح ألحان المقدمة الثانية، "يا الله يا اخوان"، "عالهوب الهوب"، "رقصة سانبا"، "كان عنا طاحون"، كما وزّع "في قهوة عالمفرق". وفي "ميس الريم"، وضع ألحان المقدمة الثانية، "كنا نتلاقى"، "يا مارق عالطواحين"، "فالس الحب"، كما وزّع "يا لور حبّك". وفي "بترا"، وضع ألحان المقدمة الثانية، "لا يسمعنا حدا"، "يا بنية صغيرة"، "بعدا القناديل"، "يا نجمة ليلية"، كما وزّع "بكرة لما بيرجعو الخيّالة".

في الخلاصة، ألّف الياس الرحباني في الحقبة الأولى من مسيرته الفنية عشرات الألحان المنسية والمجهولة تماما، ويضم هذا النتاج الهائل أغاني أدّتها مختلف الأصوات اللبنانية، من طروب وميادة ورندة وجاكلين وسعاد هاشم وأبو سليم، وصولا إلى سعاد محمد وزكية حمدان ونجاح سلام وفدوى عبيد ومجدلى. كما يضم مجموعة كبيرة من الألحان الغربية، منها ما صدر على أسطوانات باتت اليوم مفقودة. ويحتاج هذا النتاج إلى إعادة اكتشافه وتصنيفه.

في موازاة هذا النتاج المجهول، حقّق الياس الرحباني سلسلة من النجاحات في النصف الأول من الستينات، وعاش عصره الذهبي في السبعينات، ويحتاج نتاجه الغزير في الثمانينات والتسعينات إلى وقفة مستقلة. من المفارقات، قلّ نتاج الرحباني الثالث بشكل ملحوظ في العقدين الأخيرين من عمره، رغم حضوره الإعلامي المتواصل، غير ان نتاجه "القديم" ظلّ حاضرا كما تظهر الحفلات التي أقامها الفنان في خريف عمره.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق